الترتيل الثاني
التحقيق
(1)
لست الجلاد ولكنى أدعى الجلاد قل لى من أنت وما العمل؟
حدثني عن قبل الميلاد واذكر كم عندك من أولاد
عن رأيك فيما نفعله اذكر لي من رأس التنظيم
قل لي : لم يكرهنا الشعب لم لم يذكرنا تاريخ
ويمجد ماضينا الأدب؟
مرصد بنيوي يقرأ الواقع السوري من زاوية نقدية–استراتيجية، ويضع الإصبع على الجرح دون مواربة- همه الأمة ( حسام نجار )
أنا أزعم إن الذين يدرسون كتب الشريعة لا يمكن أن يَخوجوا من الظلام أو يُخوجوا الآخرين منه !!
أكتب وأنا أزعم
إن المسلمين يعيشون أزمة فقهاء وليس أزمة فقه. وإننا لا نعاني من استبداد الساسة فقط ، بل من استبداد النخب والفقهاء والمثقفين أيضا.
وأزعم بما علمت ، وعن طريق من عاشرت من فقهاء حقيقيين؛ أن آفاق عطاءات الفقه الاسلامي لا تحد أمام الذين يفقهون.
وأزعم
إن الذين يدرسون الفقه الاسلامي الحقيقي في مراجعه الحقيقية، وبعقل وقلب مفتوحين، يستطيع أن يخرج العالم كله إلى النور، وليس فقط مجتمعاتنا.
إن تمترس بعض الناس وراء بعض الصيغ الفقهية الشكلية هو نوع من الدفاع عن "الذات" وعن "المصالح" وليس عن الدين. يشعر البعض أن الفقه الحقيقي المنطلق من قوالب زمنية خاصة به، يهدد مشاريعهم الفردية. بعض أولئك الأفراد الذين لا يملكون الأجنحة التي تعينهم على الطيران، ولا يرضون أن يكونوا طائرا في سرب "السيمرغ" الباحث عن الحقيقة والجوهر.
من الظلم والخطيئة والخطأ أن يتصور البعض أن النور على ضفة من العالم وأن الظلمة على ضفة أخرى. العالم يغرق في الظلام والمخرج في كتاب الله، وليس في أقاويل الذين لا يفقهون.
الحقيقة:
أننا نقول وخصومنا يعملون،
ونحن ننام وهم يسهرون،
ونحن نشتغل بحكم السُّبحة ونكتفي من الإسلام بالدعوة إلى تقصير الثوب وتطويل اللحية،
وهم يدرسون أحوال كل بلد ووضعه الديني والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ويضعون لكل بلد المنهاج الموافق له لتضليل أولاده وناشئته وإخراجهم من دين الإسلام.
يخططون لعشر سنين وعشرين، ونحن لا ننظر إلى أبعد مما تحت أرجلنا ولا نمد أبصارنا لنرى ما أمامنا، ننتظر حتى تقع الواقعة فنعقد المؤتمرات ونتخذ القرارات ونخطب الخطب الصاخبة المزلزلة ونكتب المقالات الملتهبة، ولكنها لا تحرق إلا أصابعنا، وعدوّنا ماض في طريقه لا يبالي بنا، لأنه خَبِرَنا وعرفنا وعلم أنه ليس عندنا إلا الكلام وليس في خططنا إلا الارتجال.
وفيمَ نكتب؟
في موضوعات معروفة قد فرغ العلماء من الكتابة فيها، ننقل مما في الكتب، لا نجدد ولا نبتكر ولا ندع الكتب لننظر إلى الحياة.
نشتغل بالفروع والأصل مهدَّد، نحافظ على أوراق الشجرة والمنشارُ يعمل في قطع جذعها،
نداوي أصبع المريض من أثر وخزة الشوكة، وندع المريض يعاني سكرات الموت من مرض القلب .
![]() |
| إمام الدعوة |
إن مشرط الطبيب ودواء الصيدلاني وفأس الزارع وقلم الصحفي أدوات لنصرة الله سبحانه وتعالى وإعلاء لكلمته
إنه من المستحيل إقامة مجتمع ناجح الرسالة إذا كان أصحابه جهالاً في الدنيا عجزة في الحياة
إن نفراً من العابدين رأوا أن يحصروا عبادتهم في الصلوات والأذكار يبدؤون ويعيدون ويظنون أن الأمم تقام بالهمهمة والبطالة فمن ينصر الله إذا كان أولئك جهالاً بالحديد وأفرانه ومصانعه والله يقول ي كتابه العزيز :
( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز )
إن هناك سبعين صناعة مدنية وعسكرية تتعلق بالنفط والانتفاع بمشتقاته لا نعرف عنها شيئا فهل يخدم عقيدة التوحيد أن ينبني عليها بهذا العجز المهين
إن الله لا يقبل تديناً يشينه هذا الشلل المستغرب.
إننا نعاني من الطفولة التي تجعل غيرنا يطعمنا ويداوينا ويمدنا بالسلاح إذا شاء.
إن الإسلام لا يكسب خيراً من الذين يظنون أن التقوى هي بذل وقت أكبر في القراءات الدينية والأخذ بقدر يسيرفي شؤون الدنيا وعلوم الحياه إن العقائد لا تنتصر إذا كان أهلها في بلاهة الهنود الحمر.
املكوا ناصية الحياة بعلم واقتدار لتقدروا على نصرة الحق الذي نعتنق أما قبل ذلك فهيهات.....
يقول الدكتور مصطفى محمود رحمه الله
إياك أن تُصدق بأنك كبُرت في السن ..
ما جسدُك إلا وعاء توضع فيه رُّوحك ..!!
الرُّوح لا تشيب ولا تشيخ ، و الرُّوح من عالم آخر لا تُشبه عالمنا بِشيء ، ولا يعلمُها إلآ الله ..
قال الله ﷻ :
*﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾*
إياك أن تحبس رُّوحك في إطار جسدُك ..
حلّق في عالم التفاؤل والأمل ، وثـق بِالله في كُلِ خطوة تخطوها ، ساعد الجميع وامنح الحب وازرع الخير في كُلِ مكان ..
*"لا راحة لمُؤمن إلا بِلقاء ربه"* كثيراً منا يفهم هذه العبارة خطأ ، لا يُشترط أن يكون اللقاء بعد الموت ... !!!
العلمُ لِقاء ..
والذكرُ لِقاء ..
والتفكُر لِقاء ..
والصلاةُ لِقاء ..
والصدقةُ لِقاء ..
والمُناجاةُ لِقاء ..
وقيامُ الليل لِقاء ..
وبِر الوالدين لِقاء ..
وقراءة القرآن لِقاء ..
وصلة الأرحام لِقاء ..
وزيارةُ المريض لِقاء ..
والأدب مع الناس لِقاء ..
والتودُدُ إلى الناس لِقاء ..
وتفريج كُرُبات المُسلمين لِقاء ..
{{ فهل أدركنا كم فُرصة لِلقاء ؟؟؟ }}
قال الله ﷻ :
*﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا ﴾*
" أليس مضحكا أن يدخل داعية في مسجد ..
فينظر إلى المنبر ثم يقول : بدعة !لماذا ؟ لأنه من سبع درجات ، ثم يرى أن يقف على الثالثة لا يعدوها !! . ثم يرى المحراب فيقول أيضًا : بدعة !! لماذا ؟لأنه مجوف من الداخل !!ثم ينظر إلى الساعة ويقول : بدعة !! لماذا ؟
لأنها تدق كالجرس !!
وأخيرًا يتكلم فيخوض في موضوع غث لا ينبه غافلًا
ولا يعلم جاهلًا ولا يكيد عدوًا ... المهم عنده الاستمساك بالسنة على الشكل الذي يراه !! ...
" أي سنة تعني ؟! إن النبي العربي قدر بسنته على إحياء أجيال بدلت الأرض غير الأرض وحطمت إمبراطوريات ذاهبة في الطول والعرض ... إنه صلى الله عليه وسلم أنعش بسنته جماهير
كانت في غيبوبة وأطلقها تسعى بعدما أضاءها من الداخل فعرفت المنهج والغاية ... إننا بحاجة إلى شعاع على مسار الدعوة وحقيقة السنة
فكم ظُلمت السنة ممن يتشدقون بها !! . "
الشيخ محمد الغزالي رحمه الله
يذكرون أن رجلا شهماً كان يجلس على ضفة نهر وإذا به يفاجأ برجل يصارع الموت غرقاً فألقى بنفسه في النهر وأنقذه وأخذ في مساعدته وما أن فرغ من ذلك حتى رأى شخصاً آخر قد طفا على سطح الماء وقد غرق ومات وهكذا جاء الثالث والرابع والخامس ... فقال في نفسه: لا بد أن هناك من يلقي بهم في النهر فأخذ قوسه وكنانته واتجه نحو منبع النهر وبعد مسافة ليست بعيدة رأى عملاقاً شريراً يُلقي في النهر كل من رآه قريبا منه فكمن الرجل الشهم في مكان قريب منه ورماه بعدد من أسهمه القاتلة حتى أرداه قتيلاً وبعد ذلك عاد إلى بيته.
قد أدرك الرجل أن دور المسعف مثل دور رجل الإطفاء يبدأ ولا ينتهي فعالج المشكلة من جذورها.
قد تسلط على معظم العرب والمسلمين عدد من العمالقة المستبدين الظلمة فأذلوا الناس وعذبوهم و نهبوا خيرات بلادهم وعاونهم على ذلك نخبة تدعي العلم والثقافة وليس لديها شعور العلماء بالخشية من الله تعالى و لاشعور المثقف الحقيقي بكرامة العلم وأهله بل لديهم همٌ واحد هو أمنهم الشخصي ومصالحهم الخاصة وطموحاتهم غير المحدودة.
قد كان العربي يتغنى بأنفته وشهامته وكرامته... واليوم صار العربي( مع استثناءات قليلة) من أذل أهل الأرض وأكثرهم خوفاً وهلعاً بسبب ما خبره من القتل والتشريد والإقصاء والتهميش.
إن خبرتنا التاريخية تقول: لن يكون هناك نهضة ولا تقدم ولا كرامة ولا تدين صحيح من غير التخلص من عمالقة الاستبداد والظلم والفساد.
التخلص من هؤلاء له مدخل واحد هو الإصرار على نيل (الحرية) .
مطلب الحرية هو صميم ومحور كل شعارات الربيع العربي و من الآن وحتى نتخلص من عمالقة القهر والفساد لن يكون من الحكمة والصواب أن يعكّر على هذا المطلب أي مطلب آخر.
لا زلت أقول إن هذه المرحلة في الصراع هي أصعب المراحل وأقساها.. وربما آخرها..!!
وهي صراع الإنسان مع نفسه.. الصراع الذي يدور بين ما يؤمن به وما يراد له أن يؤمن به ..
صراعه بين ثوابت دينه وقيمه و ثوابته، وبين ما يتردد في سمع قلبه كل حين من نداءات تقعِد القائم، وتُسيء خلق المستقيم، وهكذا.. حتى تخور عزيمة أحدنا.. بعدما عاش معركة طويلة مع نفسه سقط في آخرها ..
أعرف أناسًا انتصروا في معارك السجون والوقوف أمام عتاة الإجرام في شتى الميادين، لكنهم انهزموا في معركتهم الأخيرة مع أنفسهم، فإذا ببعضهم عاد ألف خطوة للوراء وصنع ما لم يكن يدور بخلده أن يصنع معشاره منذ سنوات ..
![]() |
| بين الدين والدنيا |
"دع ما يريبك إلى مالا يريبك، فإن الكذب ريبة، والصدق طمأنينة"
قال تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
ومدح إبراهيم وإدريس عليهما السلام بكثرة صدقهما فقال:
(واذكر في الكتاب إبراهيم أنه كلن صديقاً نبياً).
(واذكر في الكتاب إدريس أنه كان صديقاً نبياً، ورفعناه مكاناً عليا).
وقال تعالى في ذم الكذب:
(ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) آل عمران (16).
فقال: (والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) النور (7).
ومن الذي يكذب؟
(إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) النحل (105).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:
(ولا تلبسوا الحق بالباطل).
لا تخلطوا الصدق بالكذب.
وقال أحد الحكماء: الكذّاب لص، لأنه يسرق عقلك.
وقال أحدهم: صدق اللسان أول السعادة، والخرس خير من الكذب.
ومدح أحدهم الصدق فقال: لا سيف كالحق، ولا عون كالصدق.
وذم أحد الشعراء الكذب فقال:
ومـا شـيءٌ إذا فكّرتَ فيه بأذهبَ للمروءة والجمال
من الكذب الذي لا خير فيه وأبعدَ بالبهاء من الرجال
وقال بليغ متمكّن: الصادق مصون جليل، والكاذب مَهين ذليل.
وقال صلى الله عليه وسلم موضحاً الصدق ومآله، والكذب ومهلكه:
أ – إن الصدق يهدي إلى البر
ب – وإن البر يهدي إلى الجنة
ج – وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً.
أ – وإن الكذب يهدي إلى الفجور
ب – وإن الفجور يهدي إلى النار
ج – وإن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذابا".
والصدق جماع كل خير وأصل كل فضيلة، فمنه ينتج الحب والمودة والثقة والصواب، وراحة البال والأمن.
والكذب جماع كل شر وأصل كل ذم لسوء عواقبه، وخبث نتائجه، فعنه تصدر النميمة التي هي أصل البغضاء، والبغضاء تؤول إلى العداوة، وليس مع العداوة أمن ولا راحة، ولذلك قيل: من قلَّ صدقه قلَّ صديقه.
وللصدق أسباب ودواع منها:
1 – العقل: الذي يرى الكذب قبحاً ينبغي تجنبه، فهو لا يجلب نفعاً، ولا يدفع ضراً، والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسناً، ويمنع من إتيان ما كان مستقبحاً، وليست مبالغات الشعراء المؤدية إلى الكذب الصراح استحساناً للكذب إلا أنها معبرة عن لطيفة، كقول المتنبي:
كفى بجسمي نحولاً أنني رجل لولا مخاطبتي إياك لم ترني
ولي مع الكذب والصدق في الشعر مواقف نذكرها لاحقاً إن شاء الله تعالى.
2 – الدين: الذي أمر بالصدق، وحظر الكذب، وإن جرَّ الكذب نفعاً أو دفع ضراً، فحبل الكذب قصير والصدق أولى أن يتبع، ولئن كان الكذب ينجي أحياناً، للصْدقُ أنجى وأبقى. والحياة في الدين والشرع ينبغي أن تقوم على الصدق، والصدق وحده.
3 – المروءة: شِمال من أعظم الشمائل(1) تمنع صاحبها من الكذب وتبعثه على الصدق، وتنهاه عن الدنيّة والأعمال القبيحة، وتهيب به أن يفعل ما يكسبه الذكر الحسن.
قال عبد يغوث:
ألـم تعلما أن الملامة نفـعها قليل، وما لومي أخي من شماليا
وقال عمرو بن الشريد أخو الخنساء:
أبى الشتمَ أني قد أصابوا كريمتي وأنْ ليس إهداءُ الخنى من شماليا
4 – حب الاشتهار بالصدق حتى لا يُرَدَّ عليه القول، ولا يلحقه ندم، وقد قال أحد الحكماء:
ليكن مرجعك إلى الحق، ومنزعك إلى الصدق، فالحق أقوى معين، والصدق أفضل قرين.
وقال بليغ: لا تقل ما تندم عليه، فإنه مثلبة.
وقال أحد الشعراء فأحسن:
عودّ لسانك قـول الصدق تحظَ به إن اللـسان لمـا عـوّدتَ معتـادُ
مـوكـل بتقـاضي ما سننت لـه في الخير والشر، فانظر كيف ترتاد
وقال أحدهم:
فالصدق في أقوالنا أقوى لنا والكذبُ في أفعالنا أفعى لنا
1 – اجتلاب النفع واستدفاع الضر: فيرى الكذب أسلم وأغنم، فيرخّص لنفسه فيه اغتراراً بالخدع، وتعلّقاً بالطمع.
ويعتاد الكاذب أن يكذب على الرغم من بُعد أمله لخوف يملأ نفسه الضعيفة، ولكن هذا قبيح، والقبيح لا يكون حسناً والشر لا يصير خيراً، وليس يُجنى من الشوك العنب، ولا من الحنظل الرُّطب. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"تحرّوا الصدق، وإن رأيتم أن فيه التهلكة، فإن فيه النجاة، وتجنبوا الكذب، وإن رأيتم أنّ فيه النجاة، فإن فيه التهلكة".
وما أبلغ قول الفاروق رضي الله عنه إذ قال:
لأن يضعني(2) الصدق، وقلّما وضع، أحبُّ إليّ من أن يرفعني الكذب، وقلّما يفعل.
وقال حكيم: الصدق منجيك وإن خفته، والكذب مرديك وإن أمنته.
وقال الجاحظ: الصدق والوفاء توأمان، والصبر والحلم توأمان، فيهن تمام كل دين، وصلاح طل دنيا، وأضادهن سبب كل فُرقة، وأصل كل فساد.
2 – أن يؤثر أن يكون حديثه مستعذباً، وكلامه مستظرفاً، فلا يجد صدقاً يعذب، ولا حديثاً يستظرف، فيستحلي الكذب الذي ليست غرائبه معوزة، ولا ظرائفه معجزة، وهذا أسوأ حالاً من الأول، لأنه يصدر عن مهانة النفس ودناءة الهمّة، وقد قال الجاحظ:
"لم يكذب أحد قط إلا لصغر قدر نفسه عنده".
وقال ابن المقفع:
"لا تتهاون بإرسال الكذبة من الهزل، فإنها تسرع إلى إبطال الحق".
ولا يدخل ما قاله النقاد في الشعر: أعذب الشعر أكذبه. لكنّ الأصل في ذلك البيت المشهور:
وإن أعذب بيتٍ أنت قائله بيتٌ يُقال إذا أنشدتَه صدقاً
3 – أن يقصد بالكذب التشفّي من عدوّه، فيسمه بقبائح يخترعها عليه، ويصفه بفضائح ينسبها إليه، ويرى أن معرّة الكذب غنم، وأن إرسالها في العدو سهم وسمّ، وهذا أسوأ حالاً من النوعين الأولين لأنه جمع بين الكذب والمعرّ، والشرّ المضر، وعلى هذا ورد الشرع بردّ شهادة العدو على عدوّه.
قال أحدهم: إن شمائلي لتمنعني أن أقول في عدوّي ما ليس فيه.
قال الشاعر في هذا:
وأحـبُّ كـلّ مهذب ولـو انه خصمي وأرحم كل غير مهذّب
يأبى فؤادي أن يميل إلى الأذى حـبُّ الأذيّة من طباع العقرب
4 – أن يكون الكذب سجيّة من سجاياه، حين تترادف عليه دواعي الكذب، فيألفها ويدمنها، وينقاد إليها، ولو رام مجانبة الكذب، عَسر عليه، فصارت العادة طبعاً فيه.
وقد قيل لكذوب: ألا تصدق؟
قال: إذاً أنا ذو وجهين.
وقالت الحكماء: من استحلى الكذب عَسُرَ فطامه.
وقالوا: لا يلزم الكذاب شيء إلا غلب عليه.
إمارات الكذّاب:
وقد تعرف الكذّاب بصفته هذه قبل أن تخبره لما يظهر عليه من أمور تدمغه بالكذب ابتداءً منها:
أ – أن نور الإيمان بعيد عن وجهه، وسيماء المذلة متمكنة فيه.
ب – أنك إذا لقنته أمراً وطلبت إليه أن يعيده عليك، لم يجد حرجاً في أن يزيد، ويختلق.
ج – وأنك إذا رددت عليه قوله، حصر وارتبك وغابت عنه نصرة المحتجين وبرهان الصادقين.
د – أنه سريع التشكك إذا شككته بما حدّثك، وقد قال علي رضي الله عنه:
"الكذّاب كالسّراب".
هـ – وقالت الحكماء في ريبة الكذابين وضعف موقفهم: العينان أنمُّ من اللسان.
وقال بعض الأدباء: الوجوه مرايا تريك أسرار البرايا.
وقال الشاعر يوضح ذلك:
تريك أعينهم ما في صدورهم إن العيون يؤدي سرّها النظر
وإذا اتسم أحدهم بالكذب وعرف فيه، نسبن إليه شوارد الكذب المجهولة، وأضيفت إلى أكاذيبه زيادات مفتعلة حتى يصير الكاذب مكذوباً عليه، وهذا من مساخير القدر، فيجمع بين إثم الكذب ومضرة الكذب عليه. وقال الشاعر:
حَسْبُ الكذوب من البليّة بعضُ ما يُحكى عليه
فـإذا سمـعتَ بـكذبه من غيره نُسبت إليه
ثم إنه إن تحرّى الصدق اتهم، وإن جانب الكذب كذّب حتى لا يصدّقه أحد وإن صدق، ولا يستنكر سامعوه كذبه لما اعتادوه عليه.
كذب مرخّص فيه:
وقد وردت السنة بإرخاص الكذب في:
أ – الحرب: فالقيادة تنشر بعض المعلومات الكاذبة تضلل بها العدو، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "الحرب خدعة".
ب – إصلاح ذات البين على وجه التورية والتأويل دون التصريح به. فإن السنة لا ترد بإباحة الكذب لما فيه من التنفير إنما عن طريق التلميح والتعريض، وقد قال صلى الله عليه وسلم:
"وإنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب".
وعلى هذا فقد سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرّفه بنفسه وأبي بكر قبيل غزوة بدر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
"نحن من ماء".
فظن السائل أنه عنى قبيلة فقال: من ماء؟ أية ماء؟
وأراد النبي صلى الله عليه وسلم: الماء الذي يُخلق منه الإنسان، فصدق وأخفى الحقيقة.
وكان أبو بكر يمشي خلف النبي صلى الله عليه وسلم في هجرتهما من مكة إلى المدينة، فتلقاه العرب وهم يعرفونه ولا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:
- يا أبا بكر من هذا؟
فقال: هادٍ يهديني السبيل.
فظنوا أنه يعني هداية الطريق، وهو يريد هداية سبيل الخير والإسلام، فصدق في قوله، وورّى عن مراده.
وقال الفاروق عمر رضي الله عنه:
"إن في المعاريض ما يكفي أن يعفّ الرجل عن الكذب"
وقال بعض أهل التأويل في قوله تعالى: (ولا تؤاخذني بما نسيت) أنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام.
وقال ابن سيرين: الكلام أوسع من أن يُصرّح فيه بالكذب.
بعض الصدق المضر:
لا نعجب من هذا العنوان، فبعض الصدق يقوم مقام الكذب في القبح والسوء، ويزيد عليه في الأذى والمضرّة، وهو:
1 – الغيبة: فإنها خيانة، وهناك ستر، يحدثان عن حسد وغدر، وضعف في الدين، قال تعالى:
(ولا يغتب بعضكم بعضاً، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه).
وروي أن امرأتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا، وجعلتا تغتابان الناس، فأخبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) بذلك فقال:
"صامتا على ما أُحلّ لهما، وأفطرتا على ما حُرّم عليهما".
وقال صلى الله عليه وسلم:
"من ذبَّ عن لحم أخيه بظهر الغيب، كان حقاً على الله عز وجل أن يحرّم لحمه على النار".
وقال عدي بن حاتم:
الغيبة رعي اللئام.
وكان الحسن البصري رحمه الله يقول:
"الغيبة فاكهة النساء، ولو أنه، رحمه الله، رآنا الآن لقال: إن الرجال والنساء في الغيبة سواء.
والحياة دَين ووفاء، فمن اغتبته له حرمة ولعلّ أحداً يغتابك.
قال الشاعر:
لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا فيهتكَ الله ستراً من مساويكا
واذكـر محاسن مـا فـيهم إذا ذُكروا ولا تَعِبْ أحداً منهم بما فيكا
وقد قيل: لا تُبد من العيوب، ما ستره علام الغيوب.
وما أشد قولهم: اللئيم إذا غاب عاب، وإذا حضر اغتاب.
2 – النميمة: وهي أن تجمع إلى مذمة الغيبة رداءة وشراً، وتضم إلى لؤمها دناءة وغدراً، ثم تؤول إلى تقاطع المتواصلين وتباعد المتقاربين، وتباغض المتحابين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ألا أخبركم بشراركم؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: المشّاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون العيوب".
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ملعون ذو الوجهين، ملعون ذو اللسانين، ملعون كلّ شغّار، ملعون كل قتّات، ملعون كل منان"(3).
وقالوا في الحكم: النميمة سيف قاتل.
وقال أحد الأدباء: لم يمشِ ماش شرُّ من واش.
3 – السعاية: وهي شر الثلاثة لأنها تجمع إلى مذمة الغيبة، ولؤم النميمة، التغرير بالنفوس والأموال، والقدح في المنازل والأحوال. قال صلى الله عليه وسلم:
"الجنة لا يدخلها ديوث ولا قلاّع"(4).
قال أحد الحكماء: الساعي تراه بين منزلتين قبيحتين. إما أن يكون صدق فقد خان الأمانة، وإما أن يكون كذب، فقد خالف المروءة.
وقال أحد الحكماء كذلك: الصدق يزين الناس كلهم إلا الساعي فإنه آثم مذموم وإن صدق.
وقال أحدهم: النميمة دناءة، والسعاية رداءة، وهما رأس الغدر وأساس الشر، فتجنّب سُبُلهما، واجتنب أهلهما.
وسعى رجل في رجل عند الإسكندر فقال:
أتحب أن نقبل منك ما تقول فيه على أن نقبل منه ما يقوله فيك؟
قال: لا.
قال الإسكندر:
فكفّ عنه الشر، يكفّ الشر عنك.
وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أنّ في بلدك ساعياً ولستُ أخبرك، وهو في أرضك.
فقال: يا رب، دلّني عليه حتى أخرجه.
فقال: يا موسى، أكره النميمة وأنمّ؟!
....................
الماوردي...
| السمك والحسك |
يحكى أن رجلا رغب في أكل السمك فذهب إلى سوق السمك وأمسك بسمكة وأخذ يشمها من ذيلها ليتأكد من عدم فسادها فقال له أحد المتسوقين شمَّها من رأسها ففساد السمك يبدأ من الرأس.
قال الرجل: صدقت وأنا أعرف أن رأس هذه السمكة قد فسد لكن أحببت أن أعرف: هل وصل الفساد إلى ذيلها أو لا؟
نعم الأمم والشعوب مثل السمك يبدأ الفساد من الرأس ثم ينتشر في باقي الجسد .
القرآن الكريم أشار إلى حقيقة مهمة هي أن غياب المساءلة يؤدي إلى الفساد والبغي : ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) ومثلها في الدلالة قوله: ( كلا إن الإنسان ليطغى. أن رأه استغنى ).
إن امتلاك السلطة والقوة والتفوق في أي مجال مدعاة إلى تجاوز الحدود وإلى الطغيان والتغول ما لم تكن هناك جهة تراقب وتساءل وتحاسب.
العالم كله عانى طويلا وما زال يعاني من الفساد المالي والإداري لكن الفساد درجات عدة وهناك فرق بين من يوظف أحد أقربائه في عمل عام دون أن يكون جديرا به وبين من يكون لديه عشرة آلاف موظف وهمي يقبض مرتباتهم بالتعاون مع بعض الفاسدين دون أن يكون لهم أي وجود سوى الوجود على الورق!
القرآن الكريم عاتب النبي صلى الله عليه وسلم على بعض اجتهاداته( النبي تلا آيات العتاب على الناس مما يدل على أنه نبي الله حقا وصدقا) ليرسخ في المجتمع المسلم حقيقة مهمة هي أنه لا يجوز أن يكون فيه أي شخص فوق المساءلة والمؤاخذة لأن هذا يعني تحوله - وقد يكون في ذاته غير فاسد- إلى قبة يجتمع تحتها الفاسدون والمفسدون وهذا هو الذي رأيناه ونراه في الدول المستبدة التي حُرمت شعوبها من نعمة حرية الإعلام والشورى التمثيلية والتداول الشفاف على السلطة ووجود هيئات رقابية فعالة.
الحكام المترفون يتفنون في إهدار أموال الدولة والتمتع بها وشبابنا يموتوت غرقا في البحار باحثين عن بلد يهاجرون إليه!
خيرات بلاد المسلمين ليست قليلة ولكن الخير في زعماء بلادهم قليل وهذا بسبب خضوعنا للظلمة وعدم اهتمام معظمنا بإصلاح الشأن العام وهذا منذر بهلاك عام ) فلما نسوا ما ذُكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون) .
الناجون من العذاب هم المصلحون الذين يقفون في وجه الظلم والفساد والاستبداد ولايكمل صلاح المسلم إلا إذا كان له حظ من المشاركة في الإصلاح.
والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
د.عبدالكريم بكار
![]() |
| عذب الكلام |
لا تكبّل روحك ..
فمرضك لا يعنى موتك بل هو طهرة لك وتمحيص ورحمة من الله , اركض بقلبك وبدعائك وابتهالك وثق في ربك أن مرضك مرحلة مؤقتة لن تبقى طويلا وستزول وكن على يقين أن العافية في العاجل ستلاحقك وأن الصحة ستكون متلألأة على رأسك , كن على يقين أن مرضك إنما هو حب و رضا من الله وليس شرطا ان يكون عقابا منه أو غضبا , فرحمته وسعت كل شىء فهو أرحم الراحمين .
لاتكبل روحك ..
فموعد أجلك عند الله محتوم , ولن تموت نفس قبل أن تستكمل أجلها ورزقها وكل ماهو مقدر لها عند خالقها
لاتكبل روحك ..
فلا أحد يمكن له أن يوقف شيئا أراد الله أن يتمه لك أو يتم شيئا أراد الله أن يوقفه عنك
لاتكبل روحك ..
فلا مانع لما أعطى الله ولا معطى لما منع , كل شىء موكول بأمره منه وحده واليه يرجع الأمر كله .
لاتكبل روحك ..
أترك المخاوف لغيرك أما أنت فمؤمن لا يليق بك إلا أن تكون على يقين بربك , فإن فعلت ذلك فستملأ السعادة قلبك , وسيسكن الفرح روحك .
لاتكبل روحك ...
وإجعل أملك في ربك وحده وكن على يقين أن كل ما يجرى في الكون ليس بعيدا عن علمه بل بعلمه وحكمته وقدرته والكل تحت سيطرته ومشيئته .
لا تكبل روحك ..
واهرب من مخاوفك وطاردها وقاومها وتعامل مع أسبابها بحزم , لا تستسلم لمخاوفك ، استمر في مقاومتها ولاتترك للخوف فرصة أن يحدد لك مصيرك أو يتحكم في معنوياتك أو يحصرك في ركن من أركان روحك تتقوقع فبه وتموت بداخله .
لاتكبل روحك ...
واستيقظ من سباتك لا تترك الخوف يتغلغل في كيانك فيقتلك ويذبحك , كن جريئا في الوقوف أمام مخاوفك طاردها واقفز عليها بكل طاقاتك , وكن على يقين أن توترك وقلقلك بسبب مخاوفك أكبر بكثير في تأثيره السلبى من توترك وقلقك إذا وقعت تلك الأمور التى كنت تتخوفها .
لاتكبل روحك ...
وانتقل بجرأة من الضفة التى تقف عليها واقفز نحو الضفة الأخرى من نهر مخاوفك , و لاتقل أنك ستغرق لأنك لا تستطيع السباحه , وكن على يقين أنك ستجد هناك على الشاطىء المقابل ما ينتظرك من الخير و ماكنت لا تتوقعه من السعادة , ستجد هناك على الضفة الأخرى من نهر مخاوفك أنه لم يكن لديك الحق في تهويل وتضخيم مخاوفك , ستجد أنها ما كانت في حقيقتها سوى فقاعات من هواء الوهم والخوف لم يكن هناك داعيا لوجودها من البداية .
لا تكبل روحك ....
فمع كل مشكلة نعمة غير ظاهرة , وفى كل مصيبة خير لاتعلمه , ابنى من مخاوفك سلما قف عليه واجتاز درجاته واحدة تلو الأخرى واصنع منها النجاح وقف على أعلى نقطة في السلم واستشرف من عليها أيامك السعيدة المقبلة وكن على يقين بأن الله لن يخذلك .
أخيرا ..
لا تكبل روحك ... وردد دوما : اللهم ارزقنا من اليقين ماتهوّن به علينا مصائب الدنيا .
......نبيل جلهوم ......
![]() |
| عبودية الفكر أكثر ضرراً من عبودية الجسد |
إن هنالك فارقاً أساسياً بين الانطلاق من قيود الذل والضغط والضعف، والانطلاق من قيود الإنسانية وتبعاتها، إن الأولى معناها التحرر الحقيقي، أما الثانية فمعناها التخلي عن المُقوِّماتِ التي جعلت من الإنسان إنساناً.. وأطلقته من قيود الحيوانية الثقيلة..
إنها حرية مُقنَّعة.. لأنها في حقيقتها خضوع وعبودية للميول الحيوانية، تلك الميول التي قضت البشرية عُمرَها الطويل وهى تكافحها للتخلص من قيودها الخانقة إلى جَوِّ الحرية الإنسانية الطليقة..
لماذا تخجل الإنسانية من إبداء ضروراتِها؟ لأنها تحسُّ بالفطرة أن السُّمُوَّ مع هذه الضروريات هو أولُ مقومات الإنسانية، وأن الانطلاق من قيودها هو الحرية، وأن التغلبَ على دوافع اللحم والدم وعلى مخاوفِ الضعف والذل كلاهما سواء في توكيد معنى الإنسانية..
قطوف سيد